top of page

تعديل أمر الشرطة – صلاحيات وزير الأمن القومي "قانون بن غفير"

  • 7 يناير 2025
  • 5 دقيقة قراءة

تقدمت جمعية حقوق المواطن، بالتعاون مع "اللجنة العامة لمناهضة التعذيب" و"الحركة من أجل نزاهة الحكم"، بالتماس إلى المحكمة العليا في 18 كانون الثاني 2023، للمطالبة بإلغاء التعديل رقم 37 لأمر الشرطة. هذا التعديل قضى بتوسيع صلاحيات الوزير المسؤول عن الأمن القومي ونقل صلاحيات جوهرية إليه كانت تندرج تاريخياً وقانونياً ضمن الاختصاص الحصري للمفتش العام للشرطة. ودُفع في الالتماس بأن هذا التعديل يقحم اعتبارات سياسية وحزبية في قلب القرارات المهنية الحساسة لجهاز الشرطة، مؤكداً أن تحويل الشرطة إلى أداة سياسية تستخدم قوتها لتعزيز مصالح ائتلافية وحزبية يُعد سمة بارزة من سمات الأنظمة الديكتاتورية.


وأشار الالتماس إلى أن النفوذ الهائل الممنوح لجهاز الشرطة وما ينطوي عليه من إمكانية للمساس الصارخ وغير المتناسب بحقوق الإنسان، يتطلبان رقابة صارمة تضمن عدم تحول هذه القوة إلى سلطة مطلقة بلا قيود. كما يستوجبان ضمان توجيه هذا النفوذ لإنفاذ القانون بشكل متساوٍ وعادل، وحظر استخدامه كأداة لخدمة الاهداف السياسية للجهة التي تمسك بزمام الحكم في لحظة زمنية معينة.


وتركز الالتماس على التداعيات الخطيرة المترتبة على تسييس جهاز الشرطة من خلال ثلاثة محاور أساسية:

  • المحور الأول: يتعلق بتفويض الوزير برسم "سياسة الشرطة والمبادئ العامة الموجهة لنشاطها". ودُفع في الالتماس بأن هذا التفويض يمس بشكل غير دستوري بحرية الاحتجاج والتعبير، ويخضع نطاق ممارسة هذه الحريات لسيطرة جهة سياسية. واستُشهد على ذلك بتدخل الوزير المباشر في استعداده الشرطة للمظاهرات المناهضة للحكومة، وتدخله في صياغة رد الفعل الشرطي تجاه رفع الأعلام الفلسطينية. وتوضح هاتان الحالتان حجم التسييس الذي يتهدد الجهاز عندما تُصاغ القرارات المهنية برؤية طرف سياسي تُوجه الاحتجاجات ضده بالأساس.

  • المحور الثاني: يتناول منح الوزير صلاحية وضع "سياسة عامة في مجال التحقيقات" أو صياغة "مبادئ عامة" تتعلق بتقديم لوائح الاتهام من قِبل النيابة الشرطية. وجاء في الالتماس أن القرارات المرتبطة بالتحقيقات والملاحقات القضائية، بما فيها السياسات العامة الناظمة لها، يجب أن تظل محيدة تماماً وخارج الملعب السياسي. وأكد الالتماس أن "الأطراف السياسية تقبع في حالة تضارب مصالح مؤسسي صارخ في كل ما يخص هذا النوع من القرارات"، ولا يمكن تسليمها زمام وضع سياسات حاسمة في مجال التحقيقات تنعكس مباشرة على قضايا بالغة الحساسية مثل مكافحة الفساد العام.

  • المحور الثالث: يخص البند الذي يخول المفتش العام للشرطة بحظر نشر أي أمر من أوامر الشرطة. ودفع الالتماس بأن هذا البند يفتح الباب أمام ما يسمى بـ "التشريع السري" وحجب لوائح الشرطة دون معايير واضحة، وفي انحراف حاد عن أحكام قانون حرية المعلومات.


مسار الملاحقة القضائية وأوامر المحكمة

وفي 5 آذار 2023، تقدمنا بطلب لاستصدار "أمر احترازي مؤقت" (צו ביניים)، يطالب المحكمة العليا بإلزام وزير الأمن القومي بالامتناع التام عن رسم السياسات أو إصدار الأوامر والتوجيهات في أي شأن يخص ممارسة حق التظاهر وحرية الاحتجاج حتى البت النهائي في الالتماس. وقُدم هذا الطلب في أعقاب التدخل العملياتي المتكرر من قِبل الوزير في كيفية تعامل الشرطة مع المتظاهرين المناهضين لخطط التغييرات القضائية. وشددنا على أن القرارات الحساسة المتعلقة بحرية التعبير والاحتجاج يجب أن تكون منبتة الصلة تماماً عن تأثير المستوى السياسي منعا لاستغلال صلاحيات القمع الشرطية لمآرب حزبية.


وأمهلت المحكمة الدولة حتى 13 آذار 2023 للرد على طلب الأمر المؤقت. إلا أنه في اليوم ذاته، قدم الوزير بياناً للمحكمة أعلن فيه أنه لا يثق في تمثيل المستشارة القضائية للحكومة له، طالباً تمثيل نفسه بشكل مستقل. وجاءت خطوته عقب أمر المستشارة القضائية بتجميد قرار الوزير إقالة قائد لواء تل أبيب، اللواء عامي إيشد، لحين استكمال الفحص القانوني للقضية. ورفضت المحكمة طلب الوزير بتمثيل نفسه، وأقرت بوجوب توجهه أولاً للمستشارة القضائية وفقاً للأعراف المتبعة التي تحصر التمثيل المنفصل في حالات استثنائية للغاية وبموافقة المستشارة.


وبعد يومين، قدمت الدولة ردها معارضةً صدور الأمر المؤقت، وادعت أنه حتى بعد التعديل رقم 37، لا يملك وزير الأمن القومي أي صلاحية لإصدار توجيهات عملياتية وميدانية للشرطة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أو التدخل في الاعتبارات المهنية لقادة الشرطة في أحداث عينية. كما أشار رد الدولة إلى أن سلوك الوزير في الأسابيع السابقة جانَبَ الصواب القانوني وتخطى الخطوط الفاصلة بين وضع السياسات العامة وإصدار الإملاءات العملياتية للمستوى المهني في أحداث عينية.


وفي 19 آذار 2023، أصدرت المحكمة العليا قرارها موضحةً أنه "يتعين على الوزير الامتناع التام عن إصدار أوامر عملياتية وميدانية للشرطة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويسري هذا الحظر بشكل مضاعف وصارم على الاحتجاجات والمظاهرات الموجهة ضد السلطة والحكومة".


وفي 7 حزيران 2023، عُقدت جلسة للنظر في الالتماس، وفي 18 حزيران 2023 أصدرت المحكمة العليا أمراً مشروطاً يطالب الدولة بتسويغ أسباب عدم إلغاء هذا التعديل التشريعي.


وفي 27 تشرين الثاني 2023، جددنا طلبنا لاستصدار أمر مؤقت احترازي يطالب بن غفير بالامتناع عن التدخل في المظاهرات، وذلك بعد استمراره في خرق توجيهات المستشارة القضائية وقرارات المحكمة العليا، وإعلانه الصريح بإصدار تعليمات للشرطة بمنع المظاهرات المناهضة للحرب. وضمنّا في الطلب اقتباساً للوزير وصف فيه المظاهرات المطالبة بإعادة المختطفين ووقف إطلاق النار بأنها دعم لـ "النازيين"، متباهياً بأن الشرطة منعت حتى الآن مظاهرات التضامن مع حماس، وأن النيابة العامة هي من "فرضت على الشرطة الموافقة على هذه التظاهرة". وبموجب ذلك، أكدت المستشارة القضائية للحكومة في ردها الصادر بتاريخ 1 كانون الثاني 2024 أن الوزير تجاوز صلاحياته القانونية، وأن تدخله يمثل محاولة تأثير وإملاءات باطلة ومرفوضة.


وفي 10 كانون الثاني 2024، أصدرت المحكمة العليا أمراً احترازياً يحظر على الوزير التدخل في التظاهرات، مؤكدة تجاوزه لصلاحياته ووجوب امتناعه عن إصدار توجيهات ميدانية تخص ممارسة حق الاحتجاج.


وفي 29 آذار 2024، قُدمت اللوائح الجوابية من قِبل الكنيست والدولة (المستشارة القضائية والشرطة). وادعت الكنيست أن التعديل يعكس توصيات لجان عامة سابقة ولم يغير موازين القوى القائمة سابقاً. في المقابل، تبنت المستشارة القضائية للحكومة موقفنا بالكامل الداعي لإلغاء وتفكيك أي دور للوزير في مجال التحقيقات، مشددة على ضرورة صون الاستقلالية المطلقة لجهاز الشرطة في هذا المضمار بعيداً عن النفوذ السياسي، وانضمت لمطلبنا بإبطال البند الخاص بذلك. أما بشأن تدخل الوزير في بقية مجالات الشرطة وحرية الاحتجاج، فقد تبنت المستشارة موقفنا جزئياً، دافعةً باتجاه صياغة تفسير قانوني حذر يوضح عدم جواز تدخل الوزير في آليات اتخاذ القرار الشرطي تحت غطاء وضع السياسات، وأن السياسات يجب أن تكون عامة ومبدئية وتصدر بناءً على عمل طاقم مهني وبالتشاور مع الجهات المختصة.


وفي 8 أيلول 2024، توجهنا للمستشارة القضائية بطلب فتح تحقيق ضد الوزير بن غفير بشبهة خرق الأمر الاحترازي الصادر عن المحكمة العليا، وذلك عقب الكشف عن قيام سكرتيره الأمني بتوجيه ضباط الشرطة لاحتواء أعمال الشغب والاعتداءات في قاعدة "بيت ليد" العسكرية في نهاية تموز، والامتناع التام عن استخدام القوة ضد المشاغبين اليمينيين.


قرار الحكم النهائي (2 كانون الثاني 2025)

في 2 كانون الثاني 2025، أصدرت المحكمة العليا حكمها النهائي في القضية، وقبلت الالتماس جزئياً. حيث تبنت المحكمة موقفنا وقضت بأغلبية الآراء بـ إلغاء وإبطال البند الذي يمنح الوزير صلاحية رسم السياسات وتحديد الأولويات في مجال التحقيقات الجنائية، نظراً لما ينطوي عليه من مساس غير دستوري وغير تناسبي بحقوق المشتبه بهم وتسييس خطير لمنظومة التحقيق.


وفي المقابل، قررت المحكمة عدم إلغاء البند العام الذي يمنح الوزير صلاحية وضع السياسات العامة للشرطة، لكنها وضعت محددات دستورية صارمة تقضي بأن صلاحية وضع السياسات لا تحل ولا تبيح بتاتاً التدخل في القرارات الشرطية الميدانية والعملياتية.


وألزمت المحكمة الوزير بأحكام القانون الإداري التي توجب أن تكون السياسات عامة، مستقبلية، وتصدر عقب دراسة مهنية مستفيضة وبالتشاور الإلزامي مع المستشارة القضائية للحكومة وجهات الاختصاص. وقاد القائم بأعمال رئيس المحكمة العليا، القاضي فوجلمان، رأي الأقلية الذي طالب بفرض إلزام قانوني على الوزير بمنح الوزن الحاسم والأكبر لموقف وتوجيهات المستشارة القضائية للحكومة في كل ما يخص صياغة سياسات تمس حرية الاحتجاج والتظاهر، نظراً للحساسية الدستورية البالغة لهذا المجال.


وفي 7 كانون الثاني 2025، توجهنا إلى المستشار القضائي لوزارة الأمن القومي بشأن آليات تطبيق وإنفاذ قرار الحكم، مفندين الأبعاد الدستورية للصلاحيات المتبقية للوزير، ومطالبين إياه بإصدار توجيهات ملزمة تضمن صياغة سلوك الوزير بما يتوافق تماماً مع التفسير القانوني والمحددات التي وضعتها المحكمة العليا.



ملف القضية:

  • ملف المحكمة العليا رقم 532/23 جمعية حقوق المواطن في إسرائيل ضد الكنيست

  • المحامون: يونتان بيرمان، غيل غان-مور


bottom of page